ابن عجيبة

272

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

كتاب قطب العارفين : الراضي شبه ميت ، لا نفس له ، يختار لها ، فالفقر والغنى حكمان من حكيم واحد ، وهو أعلم سبحانه بعبيده ، وما يصلحون به ، فمنهم من يصلح للفقر ولا يصلح للغنى ، ومنهم من يصلح للغنى ولا يصلح للفقر ، ومنهم من يصلح بالمنع ولا يصلح بالعطاء ، ومنهم من يصلح بالعطاء ولا يصلح بالمنع ، ومنهم من يصلح بالبلاء ولا يصلح بالصحة ، ومنهم من يصلح بالصحة ولا يصلح بالبلاء ، ومنهم من يصلح بالوجهين جميعا ، وهي أعلى رتبة يشار إليها في غاية هذا الشأن ، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ . . الآية ، ففي هذه الآية كفاية وتعزية لكل سالك راض عن اللّه تعالى ، لكن لا يعقلها ولا يتلذذ بها إلا مشايخ العارفين . ه . وباللّه التوفيق . ثم برهن على انفراده بالخلق والاختيار ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 71 إلى 75 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَ فَلا تَسْمَعُونَ ( 71 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 72 ) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 74 ) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 75 ) قلت : ( سرمدا ) : مفعول ثان لجعل ، وهو من السرد ، أي : التتابع ، ومنه قولهم في الأشهر الحرم : ثلاثة سرد وواحد فرد ، والميم زائدة ، فوزنه : فعمل . يقول الحق جل جلاله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ؛ أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً ؛ دائما ؛ بإسكان الشمس تحت الأرض ، أو : بتحريكها حول الأفق الخارج عن كورة الأرض ، أو بإخفاء نورها ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ ، وحقه : هل إله غير اللّه ، وعبّر ب « من » على زعمهم أن غيره آلهة ، أي : هل يقدر أحد على هذا ؟ أَ فَلا تَسْمَعُونَ سماع تدبر واستبصار ؟ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بإسكانها في وسط السماء ، أو : بتحريكها فوق الأفق فقط ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ؛ استراحة من متاعب الأشغال ؟ ولم يقل : بنهار